الشيخ المحمودي
46
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
لا جوهر له « 30 » وبإنشائه البرايا علم أن لا منشىء له ، وبمضادّته بين الأمور عرف أن لا ضدّ له « 31 » وبمقارنته بين الأشياء علم أن لا قرين له « 32 » . ضادّ النّور بالظلمة ، والصّرد بالحرور « 33 » مؤلّفا بين متعادياتها ، مقاربا بين متبايناتها ، دالّة بتفريقها على مفرّقها ، وبتأليفها على مؤلّفها ، جعلها سبحانه دلائل على ربوبيّته ، وشواهد على غيبته ، ونواطق عن حكمته ، إذ ينطق تكوّنهنّ على حدثهنّ ، ويخبرن بوجودهنّ عن عدمهنّ ، وينبئن بتنقّلهنّ عن زوالهنّ ، ويعلنّ بأفولهنّ أن لا أفول لخالقهنّ . وذلك قوله جلّ ثناؤه : « وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » « 34 » .
--> ( 30 ) أي بتحقيق حقائق الجواهر وإيجاد ماهياتها عرف انّها ممكنة ، وكلّ ممكن محتاج إلى مبدئ ، فمبدىء المباديء لا يكون حقيقة من هذه الحقائق . ( 31 ) أي عقدة التضاد بين الأشياء دليل على استواء نسبتها إليه تعالى فلا ضد له ، إذ لو كانت له طبيعة تضاد شيئا لاختص إيجاده بما يلائمها لا ما يضادها ، فلم تكن له أضداد . ( 32 ) قيل : المراد من المقارنة هنا المشابهة أي إن المشابهة بين الأشياء في نظام الخلقة دليل على وحدة صانعها ، إذ لو كان له شريك لخالفه في النظام الإيجادي ! ( 33 ) الصرد : البرد ، قيل هو فارسي فعرب . وفي المختار : ( 181 ) من نهج البلاغة : « ضاد النور بالظلمة ، والوضوح بالبهمة ، والجمود بالبلل ، والحرور بالصرد . مؤلف بين متعادياتها ، مقارن بين متبايناتها ، مقرب بين متباعداتها ، مفرق بين متدانياتها . لا يشمل بحدّ ولا يحسب بعدّ ، وإنما تحدّ الأدوات أنفسها وتشير ( الآلات ) إلى نظائرها ؟ ! » . ( 34 ) الآية « 49 » من سورة « الذاريات » قيل : الاستشهاد بالآية يحتمل أن يكون إشارة إلى أن التأليف والتفريق والتضادّ بين الأشياء واتصافها بصفة التركيب والزوجية والتضايف كلّها دلائل على ربوبيّته تعالى . وعلى أن خالقها واحد لا يوصف بصفاتها لدلالة خلق الزوجين على المفرق والمؤلف لأنّه خلق الزوجين من واحد بالنوع ، فيحتاج إلى مفرق يجعلهما مفرقين ، أو يجعلهما مزاوجين مؤتلفين ألفة لخصوصهما فيحتاج إلى مؤلف يجعلهما مؤتلفين .